جاء الثلج لكنه لم يجدنا فغادرنا..

بقلم :عمر الصوص
كنا صغارا نلوذ بدفء السوالف من كبار السن في برد الكوانين ووهج بابور الكاز تحت صفيحة مملوءة بالثقوب تلسع أرجلنا فتتلوى كأفاع ثم نطلّ من شقوق النافذة الخشبية المطلّة على حوش الدار نراقب تساقط المطر الغزير أو حبات البرد أو حب العزيز كما كنا نسميه يشتد حينا ويخفت حينا ,لكننا نعود لدفء الحديث والسوالف والشاي الساخن بالميرمية والآذان تتبع بنهم حكايات الغولة أو الزير سالم ولا ندري عن خارطة الجو وأحوال الطقس فقط نتتبّع إيقاع البرَد الغزير على سطح الزينكو , ممزوجا بهدير البابور بحلاوة الحكايات بلذة الشاي الساخن حتى يتسلّل النعاس إلى عيوننا فننام كالعادة أجساما ممددة على مساحة الضيق ,والأرجل تحت منصّة صفيح مملوءة بالثقوب تعلو رأس بابور الكاز الهادر .
نستيقظ صباحا على شعاع ابيض يخترق حجرتنا فندرك أن الزائر الأبيض قد ضافنا و يدعونا للاحتفال واللعب فنخطو على فرشة الثلح البيضاء في حوش الدار فرحين نكوّر الثلج على برودته بحرارة اللقاء ونتراشقه معا ثم ننطلق إلى زقاق المخيم نلهو والرفاق فتشفق علينا الشمس من برودته فترسل خيوطها الذهبية تضفي جوا من الحرارة تزيدنا متعة ..نلهو ونلهو ونعود ونعود نلوذ بالبابور ننشف جواربنا وأرجلنا الحمراء والكل يتكوّرُ من جديد حوله نرمي بأجسامنا على مساحة الغرفة، رؤوسنا تتصادم وأرجلنا تتشاجر وتتراقص من لسعة بابور الكاز ونستسلم للدفء وينحس برغبة في الأكل فنرتشف بنهم شوربة العدس تضفي دفئا وحميمية لقلوبنا ثم نتحلى بإبريق الشاي وبقايا الكعيكبان الذي يذوب سريعا والثلج ما زال في الخارج ما ذاب يدعونا لجولات من الفرح
واليوم تغير الكثير نلوذ بالمواقع ونتتبع أخبار الزائر الأبيض كثيرا في أحادثنا ومحطاتنا وهواتفنا وحولنا مدافيء الغاز والكهرباء والمكيفات وما لذّ وطاب , لكن لا يجمعنا بابور ولا حكايات ولا سوالف ولا ننعس شوقا له ولا ننام نظل نرقبه.. لعل الثلج يعشق القلوب البيضاء ولكنه بات غير مشتاق فجاء على استحياء .. ترك عتبه على ظهور سياراتنا وحواف عماراتنا وغادر قبل أن نقول له صباح الثلج , فلنكوّر خيباتنا ونتراشقها
الثلج جاء وغادر على استحياء ..
أيها الثلج سامحنا
كل منا ينتظر محادثة الآخر
كل منا ينتظر لقياك
ولكن لا احد منا يكلم الآخر
سحقا لكبرياء قتل كل الأشواق

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق