المؤسسات والمجتمع مسئولان عن ضحايا البحر الميت

بقلم/ سارة السهيل
عاش ويعيش شعب الأردن وشعوب العالم التي شاهدت فاجعة الموت وهي تحصد أرواح الأبرياء الشهداء من الأطفال والذي لا ذنب لهم في الحياة سوى رغبتهم في الاستمتاع برحلة مدرسية والترفيه تتحقق فيها الصحبة الجميلة والتمتع بالطبيعة.
رحلة السعادة والهناءة للصغار تتحول الى رحلة الموت التي تحيا آلامها قرابة ٢١ أسرة أردنية،
كنت خارج الوطن حينما سمعت بالفاجعة التي وقعت علي كالصاعقة (يا الاهي انهم اطفال ) احباب الله و احبابي كيف يفارقون الدنيا بهذه القسوة تجرفهم السيول وهم في حالة من الخوف الشديد و ربما الجوع والعطش و البرد
تعودنا ان راينا ضحايا من الاطفال ان يكون القاتل عدو او ارهابي في حرب او شبه حرب إنما هذه المرة ضحايانا لم يرحلوا على يد مجرم او غاصب او محتل إنما سرقتهم ثورة الطبيعة و إهمال الأحباب
ففي غمضة عين فقدت أسرة ابنها الوحيد، وأخرى فقدت اثنين من فلذات أكبادها بسبب الإهمال، والجهل وعدم الاخذ بأسباب العلم ومعرفة المناطق الخطرة التي تجرفها السيول ومن ثم عدم الذهاب اليها في توقيتات السيول، وهو ما تبينه الأرصاد الجوية يوميا فهل من متابع، وهل من قارئ وهل من عاقل ؟ّ!!!
ومما يثير الدهشة المؤلمة هو تسرب هذا الجهل داخل المؤسسات التعليمية، فقد خرج 37 طالبًا و7 مرافقين بمدرسة فكتوريا في رحلة إلى منطقة البحر الميت، وبينما كان الطلاب أسفل أحد الجسور القريبة من البحر الميت، طالتهم السيول الناجمة عن الأمطار الغزيرة، وجرفتهم إلى البحر.
فأين مسئولي مدرسة فيكتوريا من علم الأرصاد ومن علوم الجغرافيا ومن التنسيق مع مسئولي البلديات؟ وإذا كانت هذه الرحلة معدة سلفا فلماذا لم يتم تأجيلها فور علم إدارة المدرسة بتوقيتات السيول؟
كما تداول الناس ان السد كان قد فتح يومها لتغيير مياهه التي أصبحت عفنه وتحتاج الى تبديل و لا ادرى مدى صحة هذا التداول
علامات استفهام عديدة حول هذه الفاجعة الإنسانية التي لا معنى لها بمعزل عن الجهل العلمي وغياب الثقافة العلمية داخل المجتمع وعلى رأسه المؤسسة التعليمية، وأيضا الإعلامية والثقافية التي تنشر الوعي بمخاطر هذه المناطق الخطرة والوعي بأفضل توقيتات السنة سلاما وامانا في قصدا سياحيا.

مآسي متواصلة
فجرت كارثة أطفال البحر الميت كل ما في مشاعر الشعب الأردني من ألم حزن لن يغيب بحجم هول الفاجعة وما أفرزته من اهمال، وهل لنا ندخل في قلب الأب منذر العزة وهو يتمزق من هول صدمة نبأ وفاة ابنته “ريم ” في فاجعة حادث الرحلة المدرسية، فكيف لنا ان نستقرأ تمزق قلبه عندما فوجئ بأن ابنته الثانية “هند ” فقدها عندما تعرف على جثمانها لاحقا بعدما تمكنت فرق الإنقاذ من إخراجها من البحر الميت.
وجاءت مشاهد الأسر المنكوبة في ذويها، أكثر ايلاما، وهي تقف امام قسم الطب الشرعي في مستشفى البشير الحكومي، ما بين الذهول وعدم التصديق، وبين انهمار الدموع كالأمطار الغزيرة تروي الأرض بجراح نازفة، وبين انهيارات نفسية أصابت بعض الاسر بحالات اغماء وصراخ وعويل دون استثناء لا سيما أب الطفل العراقي سعد الذي فقد والدته قبل شهر ليلحق بها تاركا ابيه بحالة من الانهيار الكامل.

إنسانية غواص
ما بين الإهمال والجهل وعدم الارتكان للعلم، فان فاجعة أطفال البحر الميت، قد أثبتت انه في قلب الظلمة دائما يكون هناك نور يفتح لنا أبواب الأمل في الإنسانية، وهو ما تجلي في قصة البطل الأردني الرقيب زاهر سعد، الذي لم تنتظر اذنا حتى يحارب الموت ويواجهه بكل شجاعة لإنقاذ ضحايا رحلة الموت.
فقد كان الرقيب زاهر حصل إجازة لحضور حفل زفاف احد أقربائه، وبينما هو في الطريق يسمع بالفاجعة فيغير طريقه مسرعا ويرتدي بدلة الغوص متجها للبحر الميت لينقذ ببطولة إنسانية أربعة أطفال من الغرق المحقق والهلاك، حظي بها على تقدير شعب الأردن كله.
ولا غرابة أيضا ان تثمن الجالية الأردنية في أوكرانيا شجاعة زاهر وتتبرع له ولأسرته برحلة عمرة .
هذا النموذج المشرق للمواطن الأردني الشريف الذي جسده سعد يعرف معنى الواجب واهمية الإسراع لنجدة المنكوبين يمثل حسا إنسانيا لو توافر في مجتمعاتنا العربية لاستعدنا معنى يقظة الضمير مجددا، ولرحمنا أنفسنا من تداعيات الكثير من الازمات والكوارث في حياتنا.

جريمة
في تقديري ان فاجعة أطفال البحر الميت تمثل جريمة متكاملة الأركان، وقع فيها الأردن حكومة ومؤسسات ومجتمع في شراك الإهمال وعدم تحمل المسئولية، حتى تفرق دم الأطفال الشهداء بين القبائل .
فمن الممكن ان نلقي باللائمة على المدرسة التي اطلقت اطفالها لهذه الرحلة المشؤومة ومن ثم المؤسسة التعليمية و المديرة و المعلمات و وزارة التربية لكننا في هذه الحالة نكون كالنعامة تدفن رأسها في الرمال اذا لم نلم ايضا المسؤولين عن السياحة بدأ من الوزارة و شركة السياحة و التراخيص ومن ثم فقد تتكرر هذه المأساة ما لم نقف على ابعادها وخطورة المتسبب فيها من كل الجهات بدءا من المؤسسة الاسرية التي تسمح لأطفالها بالذهاب لرحلات خطرة في توقيتات السيول، ومما يبرهن على ذلك ان بعض الأهالي رفضوا ارسال أبنائهم في اللحظات الأخيرة عندما عملوا بخطورة الطقس، وان الرحلة تحركت بحافلة واحدة بدلا من اثنين بعد ان خاف الأهالي على أطفالهم ، وذلك حسبما ذكرت بعض وسائل الاعلام.
وللأسف ان الشركة السياحية المنفذة لهذه الرحلة لم تستوعب سوء الأحوال الجوية ولم تدرك عدم قدرة الطلاب الصغار على مواجهة مخاطر مناطق وعرة. و كيف يذهب اطفال آو حتى كبار لمنطقة خطرة دون وجود كل مستلزمات السلامة و فرق إنقاذ احتياطية
كما اين دور وزارة الأشغال في معالجة انهيار أحد الأنفاق وعدم إجراء صيانة لطرق المنطقة؟ وأين دور نقاط التفتيش في الغور في مراجعة التصاريح الخاصة بالرحلات في هذه المنطقة؟ ولماذا غابت شرطة السياحة عن رعاية هذه المناطق والتفتيش على السيارات السياحية.
ومن ثم فان وقوع فاجعة أطفال البحر الميت تمثل مسئولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع معا فكلاهما مدان ومقصر وغاب عن الوعي والعلم والرقابة.
وفي تقديري، فان فجاعة المصاب في فقد طلابنا فلذات اكبادنا تدفعنا دفعا الى أهمية تعلم الدروس القاسية من هذه التجربة، والنظر اليها باعتبارها قضية امن قومي تتطلب منا تفعيل دور الأجهزة الرقابية على مدارسنا وعلى انشطتهم الترفيهية، كما تتطلب تأهيل المجتمع ثقافيا عبر مؤسساته الثقافية والتعليمية والإعلامية لمعرفة جغرافيا الوطن والمناطق الخطرة فيه وتوقيتات السيول وتجنب خروج أية رحلات ترفيهيه خلالها، ومحاسبة كل المتورطين في هذه الكارثة حتى يتشكل وعي مجتمعي بثقافة الثواب والعقاب كما قال جلالة الملك عبدالله الثاني الذي ألغى رحلته التي كانت مقرره الى البحرين بقلب أب لكل الأردنيين غاضبا و حزينا لم جرى لأولاده الأطفال الاردنيين.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق