كيف وصلنا إلى هنا.. من وضعنا في مواجهة الحائط؟ علي سعادة

عنوان المقال رأي شخصي

بقلم : علي سعاده
دعونا نعود إلى الوراء قليلا، على طريقة السينما “فلاش باك”، دعونا نسترجع الوقائع حتى نفهم أين نحن ذاهبون.
نقرأ ما نحن عليه الآن من البداية إلى النهاية، ما الذي حدث معنا بالضبط؟ كيف وصل بنا الحال إلى درجة “الاختناق الاقتصادي”، والوصول إلى مرحلة الغرغرة ونحن نغرق ويد تمتد نحونا “كيد من خلال الموج مدت لغريق”؟
الوضع الحالي غير مريح إطلاقا لكنه الموجود، وهو ما بين أيدينا، ولن نستطيع معه صبرا، ولن نستطيع له تغييرا، كأننا بين حجري الرحى.
ماذا نجد حين نعود لسنوات قليلة؟ نجد أن القطاع العام بيع “بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين”، مؤسسات تعبت الدولة في بنائها والنهوض بها “طوبة طوبة”، ذهبت هكذا إلى طبقة جديدة من رجال الأعمال والمال، وإلى متنفذين في الدولة، قام بعضهم فيما بعد ببيعها مستثمرين آخرين.
أراض مملوكة للدولة تقدر بالمليارات بيعت بـ”تراب المصاري” لإقامة مشاريع وهمية. مئات الشخصيات الرسمية في مواقع شتى في الدولة استثمرت الوظيفة، و”حلبت ” الدولة بحصولها على مشاريع وعطاءات بالملايين، وبيعها على الورق لمتعهدين بالباطن.
لم يتوقفوا ولا للحظة واصلوا طريقهم برشاقة وثقة حتى وصلنا إلى مرحلة مطيع والصوامع وسرقات الكهرباء وغيرها، واحتكار ماركات تجارية كبرى في تكنولوجيا المعلومات.
مسؤولون كبار، وطبقة حاكمة، أبعدوا بكل ما أوتوا من قوة وجبروت، أية كفاءة أردنية نظيفة للوصول إلى مناصب القيادة، واحتكروا المواقع القيادية لهم ولذريتهم من بعدهم، و”كلما دخلت أمة لعنت أختها”. كان شعارهم “نحن ومن بعدنا الطوفان”. فنمت طبقة من الطحالب لا أزهار لها، ولا جذور، ولا سيقان، ولا أوراق.
وواصلت الطبقة الطفيلية نموها وتمددها في جميع الاتجاهات كشجرة اللبلاب فخنقت أي كفاءة وأي رغبة في التغيير.
رؤساء حكومات دخلوا نادي “دولة الرئيس”، بعضهم لم يكن يصلح لمنصب وزير لوزارة من الدرجة الثانية، ووزراء لم يسمع بهم أحد، ولم يجربوا من قبل في أي منصب رفيع، دخلوا نادي “معالي الوزير” كان وجودهم كارثيا، وإنجازهم الوحيد استثمار المنصب لمنصب أعلى وأرفع، تراجعت الوزارات والمؤسسات تحت قيادتهم إلى مرحلة ما قبل الكتابة.
وانهالت جوائز الترضية لكبار رجالات الدولة والنواب والأعيان، أبناؤهم أصبحوا سفراء ووزراء ومدراء دوائر، حتى إنهم وصلوا إلى إدارات المدارس والجامعات فغزوها بأبنائهم وبناتهم وزوجاتهم، فدمرت آخر قلاعنا.
آلاف السيارات كانت تسرق من أمام المنازل دون أن يرف جفن للحكومات المتعاقبة، تجار مخدرات كانوا سابقا تحت سلطة الدولة والقانون، فشبوا عن الطوق بكل دلال وخفة، وأصبحوا تجارا يشغلون طبقة من “المعلمين” في “الكار” تساعدهم طبقة من الصبيان والأتباع، ومع تراخي الدولة تمددوا في كل حارة وشارع في جميع محافظات المملكة دون استثناء، وبات بعضهم سيدا في منطقته وشارعه.
ومع نمو طبقة رجال الأعمال الفاسدين وصل نواب تاريخهم الشخصي مثقل بالقضايا، والملفات القضائية، تاريخ بعضهم أسود مثل “قرن الخروب” أو “حبر كوبيه” كما يقول الأشقاء في “أم الدنيا”، نمت طبقة جديدة من “البلطجية” و”فارضي الخاوات” و”الزعران” الذين يرهبون ويدبون الرعب في قلوب من لا يدفع لهم.
والأخطر أن هذه الطبقة الجديدة استثمرها كثير من النواب ورجالات الدولة والوجهاء ورجال الأعمال في الحماية وتأديب خصومهم، وتحقيق مكاسب لهم.
وحتى تنفق الحكومات على كل هذه الحاشية، وتغطي على الفساد واستنزاف المال العام، سارعت بلهفة “عاشق” إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي للحصول على القروض، ولم تبق جهة لم نستدن منها حتى ظننا أن من يسكنون المريخ سيطالبوننا ذات يوم بسداد ما علينا من ديوان، والقرض جر وراءه قرضاً أخرى، والفوائد تتراكم فبتنا مثل من “يتخبطه الشيطان من المس”.
واستسهلت الحكومات في البداية عمليات الخصخصة وبيع القطاع العام والأراضي الأميرية وإهدار المساعادات الخارجية، وحين جف النبع، ولم يعد في الخزينة إلا القليل، ولم يعد ثمة ما يباع، وبدلا من وضع الخطط لجذب المستثمرين وتنمية اقتصاد السياحة والزراعة والطب والتعليم والنقل، واستعادة المال المنهوب، وتطبيق سلطة القانون، ذهبت الحكومات دون استثناء إلى الحل الأسهل، وهو جيب المواطن عبر سلسلة من القرارات التي أفقرت الناس، من بينها رفع الأسعار، وتخفيض قيمة الدعم ومن ثم إلغاؤه بالكامل على بعض السلع ومن بينها الخبز، وزيادة الرسوم والضرائب على الكهرباء والماء والغاز والوقود والمحروقات، ورسوم الترخيص وضرائب المسقفات، حتى وصل مجموع ما يدفعه المواطن أكثر من 60 ضريبة!
جر المواطن “الغلبان” مكسور الجناح، مكبلا إلى ساحة “العار” لينال العقوبة التأنيب والزجر على ما اقترفته أيدي زمرة من الفاسدين والبلطجية ومعدمي الضمير، أجبر على دفع فاتورة الفساد، وحمل وحده كلفة جميع السرقات والقرارات سيئة السمعة، وما اقترفته أيدي زمرة استأثرت بالسلطة والمال والنفوذ.
هذا جزء من السياق، جزء من عملية الاسترجاع فقط، لنعد من جديد إلى “الفلاش باك” لماذا نجحت الزمرة الفاسدة في كل خططها ولم تعاقب حتى الآن؟!
في موازاة كل ذلك، كان هناك تفريغ وإجهاض لأي تجرية حزبية ناجحة، ومن كان يستطيع ضبط الشارع وتحريكه ضرب من تحت الحزام بكل قوة، وجرد من مؤسساته وحتى من ملابسه وبقي فقط ما يستر العورة.
كان هناك تآكل متعمد للزعامات المحلية وللشخصيات الشعبية والعشائرية الوازنة. كانت الصحافة تتمرغ بتراب الحكومات، وتستجدي على أبوابها العطايا والمناصب، وكانت المجالس النيابية تنتخب قبل يوم الاقتراع وفقا لقوانين لا يمكن أن تصنع ديمقراطية حقيقة أو تداولا للسلطة، فلم يكن ثمة من يراقب الحكومات ويحاسبها أو حتى يشرع وفقا للمصلحة الوطنية، كانت القوانين تسلق سلقا مثل “البيض”، وكانت السلطة القضائية مكبلة من قبل السلطة التنفيذية وسلطات

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق