الرئيسية / مقالات وآراء / إعلام مؤسسة دار العرب للثقافة والفنون بَعضُ الهجرِ أهوَن

إعلام مؤسسة دار العرب للثقافة والفنون بَعضُ الهجرِ أهوَن

1
 للقاصة : هند العميد
وسط البيت القديم، في باحة المنزل الدافئة، تقبع تلك الأم العجوز، مولولةً فقدانها وجوهاً لم تعد باسمةً كما كانت. فقد غادرتها ألوان الحياة. تناجي رباً برفع هامتها إلى السقف. ولا تعي بأنه أقرب إليها من بصرِها المنطلق للأعلى. لكل عزيز عليها هناك نغمة شجنٍ، وكلمات عتاب لرحيلٍ قسريٍ. ولعل العتاب الأكبر هو لأولئك الأحياء الغائبين. رنين هاتفها الجوّال البسيط حتى بنغمتهِ، يخترق السكون، ويأتي بنبأ استجابة دعواها لرب السقف، بأنْ يتّصل ابنُها. راح قلبها يرفرف بجناحي الشوق، والفرح المحزون يتّحد مع حروفٍ نَطَقَها لسانُها المتعثّر بعبرةِ الحسرة: – من أين أبدأُ يا فلذة قلبي؟ فأبوكَ قد رحل مريضاً متهالكاً من أمراضهِ. راحَ مُفلساً من كلِ شيء إلا ركعاتهِ، التي لم يفارقها قبل وداعه. وأمُ علي جارتنا، قد زفّت ولدها عُمرَ الى قبرٍ مؤطر بأشعار التمجيد والرثاء، التي لم تُطفئ شرارةً من نارِ فؤادِها المستعرة. والطفل المريض الذي يسكنُ خلف بيتنا اتذكرهُ !! حين كان أنينه المُتألم من مرضهِ النادر، يطرقُ مسمعك كل ليلةٍ، وأقسمتَ أنْ تَدرسَ الطب إكراماً له لتعالجه؟؟؟ وها أنتَ قد اصبحتَ طبيباً، وغادرتَ برصاصة تهديدٍ مخفيةٍ بظرف ورقي، قد رحلت روحه الصغيرة أيضاً.. الكلُ طاب له ذاك الهجر يا ولدي. لحظات من الصمت مرّت، لتسمع ولدها يُقرُّ – لأحدهم – بكلمات الشكر والعرفان، ينطقها بجرح كريم النفس، بابتسامة تنزفُ قصصاً وحسرة، تحكي تاريخ بلد يأبى أن يعيش بسلام. صحن من الطعام رُميَ إليه من زميل السكن وهو يقول: – هاك ياااااا لاجئ!! ردَّد بصوتٍ تكادُ تشيبُ أحرفُه وجعاً: – أمي!! إنَّ بعضَ الهجرِ أهوَن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*